هنا روما – القاهرة

كتابة طارق الشنّاوي*

عناق يجمع بين رجل وامرأة يتحولان فى لحظة إلى أشلاء، إنها لقطة مغايرة للإرهاب الذى يتدثر عنوة بالإسلام، عندما يُصبح الشباب هم الهدف وغسيل المخ هو الوسيلة، جاء آخر أفلام المخرج الجزائرى مرزاق علواش (ريح ربانى) يعزف على الجرح، حيث يشارك رسميا فى مهرجان (الجونة).

علواش واحد من المخرجين أصحاب الرسالة، فهو يفضح دائما كل محاولات إضفاء غطاء شرعى للإرهاب، الخيط المشترك للعديد من الأفلام التى قدمها طوال رحلته مثل (باب الواد سيتى) و(العالم الآخر) و(التائب) و(مدام كوراج) وصولا للفيلم التسجيلى الطويل (تحقيق فى الجنة).

يحسب لمرزاق، برغم تجاوزه السبعين، أنه لا يزال فى الملعب يبدع ويشاغب، وهو واحد من أهم المخرجين العرب الذين يشاركون دائما فى أكبر المهرجانات مثل (كان) و(فينسيا) و(برلين)، لا تستطيع أن تفصل فيلمه التسجيلى (تحقيق فى الجنة)، الذى عرضه فى مهرجان (برلين) 2017، عن (ريح ربانى) فهو يتعرض لمفهوم الجنة والنار، هل هى مادية كما يعتقد عدد من رجال الدين، أم أنها مجازية فى النص الدينى، (ريح ربانى) بزاوية ما هو استكمال أو نتيجة عملية لـ(تحقيق فى الجنة)، الرجل والمرأة بطلا الفيلم هما أيضا فى شوق للذهاب للجنة، بعد أن توحدا على المشاركة فى نسف مصفاة تكرير النفط فى الصحراء الجزائرية، الأحداث تستند فى جزء منها إلى واقعة حقيقية، ولكن المخرج، وهو أيضا كاتب السيناريو، أضاف خياله وهو ينسج تلك العلاقة.

غسيل المخ وتقديم عربون الذهاب للجنة مقابل القتل صارت (تيمة) شائعة فى العديد من أفلامنا، سبق لهانى أبو أسعد، المخرج الفلسطينى، قبل 13 عاما، أن تناولها فى فيلمه (الجنة الآن).

مرزاق ليس بعيدا عن تلك المنطقة الشائكة، وخاصة أن الجزائر اكتوت بنار التطرف فيما عرف فى التسعينيات بـ(العشرية السوداء)، كان المتطرفون يقتلون الإعلاميين والصحفيين والمثقفين والنساء، الكل كان تحت مرمى النيران، ونصل السكاكين والخناجر مُشهر على الرقاب، وهكذا بدأ يتسلل مفهوم (الإسلاموفوبيا)، حيث تتناثر جثث الضحايا بعد كل حادث ويردد الانتحاريون الشهادتين قبل تفجير أنفسهم.

الإرهاب لم يتوقف إلا إذا توحدت الأفكار للتصدى لتلك الفكرة العبثية، المواجهة الأمنية وحدها لا تكفى.

عاشت الجزائر عشر سنوات تحت مرمى تلك النيران المتبادلة بين قوات نظامية تحاول أن توقف نزيف الدماء، وبلد يحترق وتستنزف دماؤه ويدمر اقتصاده ويفقد بنيته التحتية ولا يجنى غير الدمار.

«مرزاق» لديه قناعة مسبقة أحالها إلى فيلم يؤكد استحالة العيش المشترك مع هؤلاء حتى لو رفعوا شعار التوبة، وهو ما جسده فى فيلمه (التائب)، بينما فى فيلمه التسجيلى (تحقيق) يذهب بنا إلى منطقة أبعد وأرحب وهى كيف أن القراءة الخاطئة والمتعسفة للإسلام أزهقت أرواح الشباب، والنزيف لا يزال مستمرا، إلا أنه هذه المرة يتقدم خطوة فى المواجهة الداخلية مع (ريح ربانى)، أحد الطرفين، وهو الرجل، قرر التراجع عندما اقتربت اللحظة الحاسمة، شاهدنا خضوعا مطلقا فى بداية تعرفه للمرأة، حيث إنها تتلقى الأوامر من التنظيم الإرهابى مباشرة، بينما هو يتلقى الأمر منها، ونكتشف أنه لها أخت قُتلت فى سوريا بعد أن تم أيضا تجنيدها، وأثناء إقامة الرجل والمرأة فى إحدى المناطق النائية، شاهدنا على استحياء بدايات علاقة بينهما، ولكننا لم نستشعر أبدا الحب، ربما كانت الرغبة والاحتياج الجنسى هما الدافع، كان الأمر يحتاج إلى زرع معلومات درامية مكثفة لكل من الطرفين وما الذى دفعهما لاختيار هذا الطريق الدموى، وأن نتابع حوارا بينهما، بينما المخرج ليس لديه تفاصيل يقدمها للجمهور، سوى تلك النهاية عندما ترتدى المرأة قبل الذهاب للتفجير الحزام الناسف ويحتضنها الرجل فى محاولة مستحيلة لإثنائها عن تنفيذ العملية، وقدمت نشرة الأخبار الخبر مجهلا من التفاصيل، من المؤكد أن هذا الفيلم ليس هو الأفضل لمرزاق، لم يقدم على المستويين الدرامى والسينمائى رؤية بها عمق فكرى، كان من الممكن أن يستعيد مجددا حكاية روميو وجولييت، عندما يصبح ثالثهما حزاما ناسفا!.

* عن موقع « المصري اليوم »