ولتعميق الحالة السوداوية التي تعيشها شخصيات الفيلم، فقد عَمَدَ المخرج إلى إطالة أَمَدِ الليل في الفيلم حتى بدا المكان الذي تدور فيه الأحداث مغلّفاً بسواد الليل وبالعُتمة القاتمة التي تحوّل جميع الألوان الى تنويعات للأسود، ولا تنتهي الليلة إلاّ عندما تتحرّر فيتاليانا من حالة الحزن الغاضب

القاهرة – (هنا روما) – عرفان رشيد

إذا كانت الصورة نتاجاً للضوء، فإن البرتغالي بيدور كوستا يُحوّل الظلام الى الأداة الخالقة للصورة في فيلمه «فيتاليانا فاريلا»، وإذا ما كان الفيلم السينمائي هو عبارة عن تتابعٍ متواصل ومتكرّر للصورة المُضاءة والمتحرّكة، فإن هذا المخرج حوّل ثبات الصورة والإطارات، الملموسة او الضوئية التي تُبرز تلك الصورة، الى معادل موضوعي للحركة، كأنّه يؤكّد القناعة في مقدرة الصمت ان يُصبح، في بعض الأحيان، أبلغ من الكلمات الصائتة أو الصارخة.

عُرض «فيناليانا فاريلا» ضمن البرنامج الرسمي (خارج المسابقة الرسمية) للدورة الحادية والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (دورة الراحل يوسف شريف رزق الله) بعد نيل جائزة «الفهد الذهبي» في الدورة الأخيرة لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي.

عنون المخرج عمله باسم الشخصية الرئيسية في الفيلم وهو ما عنى بأنه ليس لأيّ شئٍ يدور في الفيلم إلاّ ان يكون ذا ارتباط بهذه الشخصية، إِنْ لم يكن سرداً توثيقيّاً لما تواجهه تلك الشخصية وتعيشه في اللحظات التي يرويها الفيلم، أو ربَما سيرة ذاتية لها.

وبالفعل، تأتي هيمنة الظلمة على اجواء الفيلم كانعكاس للحالة السوداوية التي تعيشها فيتالينا منذ لحطة هبوطها من الطائرة التي أقلّتها من أفريقيا الى لشبونة لحضور قداس جنازة زوجها.

ولتعميق الحالة السوداوية التي تعيشها شخصيات الفيلم، فقد عَمَدَ المخرج إلى إطالة أَمَدِ الليل في الفيلم حتى بدا المكان الذي تدور فيه الأحداث مغلّفاً بسواد الليل وبالعُتمة القاتمة التي تحوّل جميع الألوان الى تنويعات للأسود، ولا تنتهي الليلة إلاّ عندما تتحرّر فيتاليانا من حالة الحزن الغاضب على الزوج الذي تركها وراءه في كاب فيردي، وانتظرت لقاءه طويلاً ، ولم تَحْظَ بذلك اللقاء إلاّ بعد موت الزوج، الذي يتزامن مع انهيار الكنيسة (ليس كمبنى، بل ككيان)، ومع إعلان الراهب عن هزيمته إزاء انكفاء المؤمنين عن كنيسته التي ما عادت تحتفي بالأفراح بمقدار احتفائها بالموت.

وفي ظلّ هذه الأجواء المعتمة والغامضة التي تُقرّب الفيم من أجواء زفلام الـ «Noire»، تصل «فيتالينا فاريلا»، البالغة من العمر 55،عامًا، من كاب فيردي (الرأس الأخضر) إلى لشبونة بعد ثلاثة أيام من وفاة زوجها؛ تلك الرحلة التي انتظرتها لأكثر من 25 عام.

وفي تقديمه الفيلم في دليل المهرجان، يصف الناقد أحمد شوقي، القائم بأعمال المدير الفنّي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بيدرو كوستا بأنّه ”أحد أساتذة السينما الشعرية المعاصرين، يعود إلينا بفيلمه الجديد، الذي اعتبره بعض النقاد أفضل إنجازاته، وتُوّجَ عنه بجائزة «الفهد الذهبي» لمهرجان لوكارنو. وبعذا الفيلم يعود كوستا إلى عالمه المفضل، موضوعيًا وجماليًا.
الموضوع هو عوالم المهاجرين الأفارقة في ضواحي العاصمة البرتغالية، والشكل هو التكوينات الفريدة، التي ترسم بالإضاءة (وبالعتمة في فيلمنا هذا) لوحات تشكيلية تستلهم فنون عصر النهضة. أحد أكثر الأفلام توظيفًا للأسود كموتيفة لونية رئيسية لعمل بصري بديع“.